الغزالي
49
المستصفى
وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان : وحبب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا وشواهد ذلك مما يكثر ، وكل ذلك من حكم الوهم ، وأما الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه جميع العقلاء لولا الشرع ، بل ربما استقبحوه ، وإنما استحسنه من ينتظر الثواب على الصبر ، أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين ، وكم من شجاع يركب متن الخطر ، ويتهجم على عددهم أكثر منه ، وهو يعلم أنه لا يطيقهم ، ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته ، وكذلك إخفاء السر ، وحفظ العهد إنما تواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح ، وأكثروا الثناء عليهما ، فمن يحتمل الضرر فيه فإنما يحتمله لأجل الثناء ، فإن فرض حيث لا ثناء فقد وجد مقرونا بالثناء ، فيبقى ميل الوهم إلى المقرون باللذيذ ، وإن كان خاليا عنه ، فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ، ولا ينتظر الثواب والثناء فهو مستقبح للسعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذاك قطعا ، فمن يسلم أن مثل هذا يؤثر الهلاك على الحياة ، وعلى هذا يجري الجواب عن الكذب ، وعن جميع ما يفرضونه ، ثم نقول : نحن لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب ، وإنما الكلام في القبح والحسن ، بالإضافة إلى الله تعالى ومن قضى به فمستنده قياس الغائب على الشاهد ، وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه وبعضهم يموج في بعض ويرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه ، وقد فعل الله تعالى ذلك بعباده ، ولم يقبح منه ، وقولهم أنه تركهم لينزجروا بأنفسهم فيستحقوا الثواب هوس ، لأنه علم أنهم لا ينزجرون ، فليمنعهم قهرا ، فكم من ممنوع عن الفواحش بعنة أو عجز ، وذلك أحسن من تمكينهم ، مع العلم لأنهم لا ينزجرون . - مسألة ( شكر الخالق ) لا يجب شكر المنعم عقلا ، خلافا للمعتزلة ، ودليله أن لا معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب على تركه ، فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب ؟ ثم تحقيق القول فيه أن العقل لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا لفائدة ، ومحال أن يوجب لا لفائدة ، فإن ذلك عبث وسفه ، وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ يتعالى ويتقدس عن الأغراض أو إلى العبد ، وذلك لا يخلو إما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة ، ولا فائدة له في الدنيا ، بل يتعب بالنظر والفكر والمعرفة والشكر ، ويحرم به عن الشهوات واللذات ، ولا فائدة له في الآخرة ، فإن الثواب تفضل من الله يعرف بوعده وخبره فإذا لم يخبر عنه فمن أين يعلم أنه يثاب عليه ؟ فإن قيل : يخطر له أنه إن كفر وأعرض ربما يعاقب ، والعقل يدعو إلى سلوك طريق الامن ؟ قلنا : لا بل العقل يعرف طريق الامن ثم الطبع يستحث على سلوكه ، إذ كل إنسان مجبول على حب نفسه وعلى كراهة الألم ، فقد غلطتم في قولكم أن العقل داع ، بل العقل هاد ، والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل ، وغلطتم أيضا في قولكم أنه يثاب على جانب الشكر والمعرفة خاصة ، لان هذا الخاطر مستنده توهم غرض في جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة إلى